سعيد بنحمادة، الماء والإنسان في الأندلس خلال القرنين 7 و 8 هـ/ 13 و 14 م. إسهام في دراسة المجال والمجتمع والذهنيات، بيروت، دار الطليعة، 2007.

أصل هذا الكتاب أطروحة جامعية أعدها صاحبها في إطار وحدة التكوين والبحث في التاريخ الاقتصادي والاجتماعي للغرب الإسلامي الذي يشرف عليها إبراهيم القادري بوتشيش بكلية الآداب والعلوم الإنسانية بمكناس. وهو يبحث في العلاقة الجدلية الرابطة بين الماء والمجتمع والمجال بالأندلس، وما أفرزته من "ثقافة مائية" ببُعدها العلمي وحمولتها الأنتروبولوجية، وما كان لها من تأثير في سلوكات الأندلسيّين وتصوّراتهم. وقد تسلّح المؤلف سعيد بنحمادة، بأدوات منهجيّة تستلهمُ آليات التحليل النّفسي والسيميائي والأنتروبولوجي، فضلا عن توظيف ذكيّ لما تختزنه المكتبة العربية الأندلسية من نصوص تاريخيّة وفقهيّة ومناقبيّة وطبيّة وفلسفية وغيرها.

قسّم المؤلّف كتابه إلى بابين. يبحث الأول منهما في "الماء والمجال في الأندلس"، ويضم ثلاثة فصول هي : الإطار التشريعي والسياسي للماء في الأندلس، ودور الماء في تهيئة المجال القروي بالأندلس، والمعمار المائي الحضري في الأندلس.

ويتناول الباب الثاني "أثر الماء في المجتمع والذهنيات في الأندلس"، وجاء بدوره في ثلاثة فصول تتناول: الجوائح المائية والمجتمع، والماء في الفكر الفلاحي والطبي في الأندلس، والماء والتصوف في الأندلس.

يستهلّ الباحث الفصل الأول بفقرة مقتضبة خصّصها لضبط مفهوم الماء في الثقافة العربية الإسلامية، كما ورد في مجموعة من المؤلفات والقواميس ليخلص إلى أن التحديد اللغوي والفلسفي للماء في هذه الثقافة "لا يتجاوز السقف التاريخي للمرحة الوسيطية ذات المرجعية اليونانية بتأثيراتها الفيتاغورية". ولعل مردّ إغفال المؤلف للتعريف العلمي للماء كون الكتاب ليس محاولة لدراسة علاقة الماء بالمجال والمجتمع بالأندلس فحسب، وإنما محاولة لدراسة الذهنيات كذلك.

أما بخصوص محددات الإطار التشريعي للماء في الأندلس فيرجعها المؤلف إلى ثلاثة عناصر جوهرية وهي : التشارك، ونفي الضرر، والعُرف. والعنصر الأول مستمدّ من القرآن الكريم والسنّة النبويّة، ويرمي إلى إيجاد نوع من "العدالة الاجتماعية" في استغلال المياه بطريقة تشاركيّة تؤدي إلى المساواة في الانتفاع به. أما مبدأ نفي الضرر فيهدف إلى حماية المصلحة العامّة للشركاء، وتبرز أهميته عند نشوب النزاعات. ويؤكد المؤلف على أهمية الأعراف والعادات في المناخ التشريعي للماء بالأندلس، ويرجعها إلى تجدّر "فقه الواقع" هناك وانفتاحه على المجتمع. وقد ساهمت المتغيرات السياسية والاجتماعية والاقتصادية بما في ذلك "طبيعة البنيات السوسيولوجية للمجتمع الأندلسي" في ترسيخ الأعراف. كما أن "ضعف التأطير الفقهي في البوادي" كان أيضا من العوامل المشجعة على الركون إلى العادة والعُرف في تقنين تداول ملكية الماء. وتعكس المصنفات الفقهية حجم المجهودات التي بذلت للتوفيق بين الشّرع ومعطيات الواقع الاجتماعي، فعبارات "العادة والعرف"، و"جرى العمل" وغيرها، تكاد لا تخلو منها أحكام القضاة وفتاوى الفقهاء، وكان من أثر ذلك أن اصطبغ الشّرع بالخصوصيات المحليّة، كما يتجلّى في "العمل القرطبي" الذي تجدر بفضل دعم الدولة، حتى أصبح "حُجّة".

يتطرق المؤلف بعد ذلك للظروف السياسية مقدّما نظرة شاملة عن الوضعيّة التي تلتْ هزيمة الموحّدين في معركة العُقاب سنة 609هـ/1212م، وما أعقبها من انحلال للسلطة الموحديّة، وتجزئة سياسيّة، واختلال اجتماعي، ودخول الأندلس في مرحلة عصر "الطوائف الثالث". ويقدّم المؤلف صورة مقتضبة عن الأوضاع التي عاشتها مملكة بني نصر، أو "الأندلس الصغرى" والتي تمكنت من إطالة الوجود الإسلامي في جنوب شبه الجزيرة الإيبيرية إلى حدود سنة 897هـ/ 1492م.

وعلى الرغم من إطناب الباحث في الحديث عن هذه التطورات السياسيّة إلا أنه لا يوضّح علاقتها بالماء، وكأن الأحداث الجسام التي مرّت بها الأندلس لم يكن لها أي تأثير على هذا المورد الطبيعي الحيوي. يكفي أن نذكر أنه إذا كانت معركة العقاب قد أدّت إلى تقليص المجال الإسلامي بالأندلس فإنها أيضا أفقدت المسلمين موارد مائية مهمة، كنهر الإيبرو والواد اليانع، وأفقدت معركة طريف سنة 734 هـ المسلمين إطلالتهم على الوادي الكبير.

وأعتقد أنه كان ينبغي للمؤلف أن ينكبّ لا على الظرفية السياسية للأندلس فحسب، وإنما كذلك على الإطار الطبيعي للأندلس، لإبراز مجموعة من العناصر ذات التأثير المباشر على الموارد المائة؛ كالمناخ والتربة الطبيعية، وأنواع الفرشات المائية، بالإضافة إلى الشبكة المائية السطحية والعوامل المؤثرة فيها...

أما الفصل الثاني المخصص لدور الماء في تهيئة المجال القروي، فيستعرض فيه المؤلف الإطار التنظيمي لنظام الرّي في البادية الأندلسية، مستهلا حديثه بالمشاريع المائية للدولة، وخاصة على عهد بني الأحمر الذين "عملوا على تسخير كل الإمكانيات المالية والتقنية والبشرية لبناء التجهيزات السقويّة وإصلاحها"، وأوجدوا "تنظيما قانونيا لمسألة المياه". ويبدو مما يورده المؤلف أن أغلب المشاريع المائية التي أقامتها السلطة النصرية توجّهت بالأساس لخدمة ساكنة المدن الكبرى، كما أنها جاءت في أغلبها تحت الهاجس الحربي والضّغط العسكري المسيحي، وقد تطلبت هذه المشاريع مبالغ مالية كبرى وخبرة هندسية متطوّرة.

بعد ذلك يتطرق المؤلف إلى مجموعة من التنظيمات القانونية والإدارية التي أطّرت نظام الرّي في البادية الأندلسية، من قبيل نظام المُساقاة الذي شاع في الأندلس، وخصوصا في الضياع والحقول الكبرى. كما فصل الحديث عن "محكمة المياه في بلنسية"، التي اعتبرها المؤلف "أنموذجا عمليا للتشريعات المتعلقة بالتدبير القانوني والإداري للسقي". وقد أفاض المؤلف في الحديث عن قوانينها وخصوصياتها وعن دورها حتى نهاية الوجود الإسلامي في شرق الأندلس.

ينتقل المؤلف بعد ذلك للحديث عن التدابير التقنية والبنيات الاجتماعية للمسألة المائية مركزا على جانبين هما : أنظمة الرّي والنزاعات حول الماء. بالنسبة لأنظمة الرّي وتقنيات السقي يستحضر المؤلف البعد التقني فيها ويقسمها إلى ثلاثة أنواع : نظام الري الكبير، والمتوسط، والصغير، ناسجا بذلك على منوال الباحث توماس ف. غليك Thomas F. Glick1.

يكتسي نظام الري الكبير مقوماته من ضرورة توفر جملة من الأسس تميزه عن غيره من الأنظمة، وعلى رأسها اتساع المساحة الزراعية، ووفرة المياه المستمدة من الأحواض النهرية، وشبكات توزيع مدعمة بتجهيزات تقنية فعالة، ومناخ قانوني تغلب فيه الحيازة على الملكية، وإطار تنظيمي يشرف على تدبير شؤون الري، وقلة النزاعات على الماء. وهذه المعايير توفرت بعدد من المناطق وخاصة بأحواز غرناطة التي تعد "أنموذجا لتوفر المعايير المحددة للدوائر السقوية الكبيرة وانسجامها" (ص 50)

أما نظام الري المتوسط والصغير، فقد ساد في المجالات السقوية التي تغلب فيهم البنية العقارية الصغيرة أو المتوسطة الحجم، وضعف فعالية التقنيات، وتداخل الحقوق المائية ومحدودية دور السلطة في تدبير الري، بالإضافة إلى وضعية عقارية شديدة التعقيد تؤدي في أحيان كثيرة إلى النزاع والخصومة على الماء. وتعد الآبار والعيون أهم المصادر المائية بالنسبة لقطاعي الرّي المتوسط والصغير، أما السّقي فيعتمد على مجموعة من التقنيات البسيطة من حيث التركيب، ذكر منها المؤلف: السواقي والجداول والخطارات، ومجموعة من العجلات المائية من قبيل الناعورة والدولاب والسانية والشادوف والمنجنون (الدالية)، وحبذا لو أرفق الباحث كلامه عن هذه التقنيات برسوم توضيحية لها، لأن كلامه عن الشادوف أو المنجنون أو الكيزان مثلا، يغلفه الإبهام2. كما أن المؤلف لم يعمد إلى دراسة مقارنة بين أنظمة الري هاته وما ساد في الشرق الإسلامي أو ببلاد المغرب، وهو الأمر الذي من شأنه أن يكشف لنا عن الأصل الحضاري للريّ في الأندلس.

ويرى المؤلف أن العلاقات الاجتماعية المتمحورة حول "المسألة المائية" في البادية الأندلسية قد تباينت بين التضامن والخصومات. فالاستفادة من الموارد السقوية كانت تخضع للضوابط الشرعيّة والعرفيّة التي مكنت من سيادة ما سماه صاحب الكتاب بـ"الرّي التوافقي"، وتمتين ثقافة التضامن في تدبير شؤون السقي (إقامة التجهيزات السقوية وصيانتها جماعيا)، واعتماد نظام تعاقدي تحددت بموجبه "النّوْبة" على أساس العامل الزمني، والحجم الإجمالي للصّبيب، ومساحة الأرض وعدد أفراد الجماعة المستفيدة. وقد عملت الأحكام القضائية والفتاوى الفقهية على مسايرة العادات والأعراف في تمتين أواصر التراضي أثناء الاستغلال الجماعي للمياه.

ويخلص المؤلف إلى أن سلوك التضامن شكل إحدى المقومات الحصينة للنسيج الاجتماعي الذي أفرزه نظام الرّي في البادية الأندلسية، وهذا السلوك قد استفاد من وفرة الموارد المائية وتجذر الأعراف في البادية الأندلسية، والقرابة الدموية التي خلقت الانسجام بين الجماعات القروية. لكن ثمة ظروف بنيوية وتاريخية عملت على تهديد "الري التوافقي" وتحويل التوافق إلى توتر، سواء داخل البوادي أو بين الأرياف والمدن. وبهذا الصدد يتجاوز المؤلف التفسيرات الأحادية للنزاع حول الماء، ويولي أهمية للعناصر السوسيولوجية والجغرافية والدينية والعرفية أكثر مما يوليها للعنصر الاقتصادي في تفسير تلك النزاعات، سواء بين المدن وأحوازها، أو بين أصحاب الجنات المتجاورين، أو بينهم وبين أصحاب الأرحاء، وبين أصحاب الأرحاء أنفسهم، وبين سكان الأعالي والأسافل...

وإذا كانت النزاعات بين الحواضر والبوادي على الماء تعكس جانبا من الأزمة الاجتماعية والتفاوت الحضاري بين المجالين، فإنها تكشف في المقابل عن أهمية الماء في تمدين المجال من جهة، ودور التمدين في تزايد حاجة الحضريين إلى الماء من جهة أخرى (الفصل الثالث). فقد شكل الماء دعامة لتنظيم الشبكة الحضرية والتخطيط الهندسي للحواضر بالأندلس. وهنا يتوقف المؤلف عند ما يسميه بـ"فقه المعمار المائي الحضري"، أي مجموع الأحكام الشرعية والعرفية والهندسية المنظمة لإنشاء المنشآت المائية وتطورها. ويخلص إلى أن الماء كان له أثر حيوي في تصميم المدن الأندلسية وتنظيمها ووظائفها، كما أفرز خطتين معماريتين: الخطة الشريطية، أي امتداد بعض الأمصار على طول الأوديّة والسواحل (مثل مالقة وطريانة)؛ والخطة متعددة النوى، المتسمة بالتبرعم بفعل تفرع المدن بسبب تفرع المجاري المائية التي أقيمت عليها (مثل قرطبة وإشبيلية وغرناطة) (ص 103-104)، كما لاحظ المؤلف تركز الأمصار الأندلسية الكبرى في وسط وجنوب البلاد "بفعل كثافة الأودية والعيون الدائمة الجريان هناك" (ص 114).

وقد تطرق المؤلف في صفحات موحيّة إلى الصّلة المتينة بين الماء و"ثقافة التّرف" لدى الأندلسيين. فقد بيّن كيف أن مكوّنات المعمار المائي الحضري في الأندلس (من نافورات وسقايات وأحواض، وحدائق ومتنزهات، وحمامات وحامات) قد جمعت بين "المتعة" و"المنفعة"، وتحكمت فيها الأبعاد الجمالية. بل يذهب المؤلف إلى أن التمدين الذي عرفته الأندلس خلال القرنين السابع والثامن للهجرة حوّل المنشئات العمرانية المائية إلى وعاء رمزي أفرغ فيه الإنسان الأندلسي أنماط سلوكه وتفكيره وأحاسيسه، كما أن الأساليب الهندسية والفنية التي صممت بها المرافق المائية داخل القصور والمتنزهات، والصيغ الجمالية التي رتبت بها التحف والتماثيل والزخارف المائية والنباتية، ومضمون القصائد التي قيلت باسمها، تنطوي على دلالات إيحائية معينة؛ فكانت قيم "الثروة" و"النفوذ" و"السلطة" أهم المقاصد الرمزية للمعمار المائي بالأندلس (ص 138).

واستهل المؤلف الباب الثاني من الكتاب المخصص لـ "أثر الماء في المجتمع والذهنيات في الأندلس" بالتطرق للجوائح المائية وآثارها السلبية على المجتمع الأندلسي، رافضا ربطها بالتحولات المناخية في الجناح الغربي من الحوض المتوسطي، مقترحا تفسيرها بالآثار الجغرافية وبالانعكاسات الحضارية -العسكرية والسياسية والاقتصادية- التي أفرزتها معركتيْ العقاب 609 هـ/1212 م وطريف 741 هـ/ 1341 م.

بعد ذلك يستعرض المؤلف الجوائح المائية للفترة المدروسة (القرن السابع والثامن)، معتمدا على المنهج الإحصائي، ويقارنها بمجموع الكوارث المائية التي أصابت الأندلس منذ القرن الأول الهجري، منبّها إلى الصعوبات التي تعترض توظيف المنهج الإحصائي في كتابة تاريخ الجوائح المائية خلال العصر الوسيط، ومنها قلّة المعطيات الرقميّة التي تحتويها المصادر العربية. وقد أحصى المؤلف 27 كارثة مائية، قسّمها إلى قسميْن : فيضانات وسيول، ثم قحوط ومجاعات وأوبئة؛ وكانت من الحدّة بحيث أصبحت "وشْماً بارز المعالم في الواقع والذهنية الأندلسييْن" (ص 172)، فقد شملت تأثيراتها السلبية الأنشطة الاقتصادية، وخلخلت التوازنات الاجتماعية والبنيات الديموغرافية، والاستقرار السياسي، وأنماط التفكير والإحساس، واستفحلت تداعياتها المادية والنفسية حتى اعتُبر الجفاف -حسب بعض التفسيرات- عذاباً مسلطاً على الأندلسيين بسبب الذنوب والمحرمات، وتوالي الكوارث المائية ابتلاء. ولم يخفف من وطأة الكوارث المائية نسبيا سوى ما بذلته السلطة المركزيّة النصرية من مجهودات لتطويق آثارها السلبية، وما عرفه المجتمع الأندلسي من "ثقافة التضامن"، سواء التي أطّرها الفقهاء والمتصوفة، أو تلك "الأكثر تنظيما وفعالية" التي قادها الفقهاء والقضاة المقربون من السلطة بحكم نفوذهم المالي والاجتماعي والسياسي (ص 188).

يتناول المؤلف في الفصل الخامس مكانة الماء في الأدبيات الفلاحيّة والطبيّة الأندلسيّة، مؤكدا أن "المعرفة المائيّة" كانت تقوم على أصول برهانية يستدل بها على النتائج التجريبيّة. فقد استقى موضوع الماء في الفكر الفلاحي مقوماته مما تميزت به التجربة الزراعية الأندلسية من "عقلانية الخطاب وواقعية الممارسة". وبخصوص مكانة الماء في أدبيات الطب والصيدلة في الأندلس يستعرض المؤلف خصائص "المدرسة الطبية الأندلسية" التي أرسى أعلامُها معرفة مائية علمية (ص 218 ) مبنية على النزعة النقدية والممارسة التجريبية. ويتطرق المؤلف إلى أهمية الماء الطبية ودوره في حفظ الصحة وفي الاستحمام، ولعلاقة الماء بالأمراض ودوره في إحداث الأوبئة والطواعين. كما استعرض أنواع المياه، مصنفا إياها إلى أنواع ذات فوائد سقوية وغذائية وطبية متفاوتة (ماء المطر، ماء الأنهار، مياه الآبار والعيون، مياه الثلج والجلد).

وخصص المؤلف الفصل السادس والأخير من الكتاب إلى "الماء والتصوف في الأندلس"، ليبحث في دلالات الماء في العرفان والكرامة الصوفيين، ويؤكد المؤلف بأن الكرامة المائيّة شكلت "إحدى ثوابت الفكر الأندلسي وبنياته العميقة التي تستمد فعاليتها من القدسي" (ص 244)، وأن الماء "يشكل مقوما جوهريا لصناعة الأولياء والأقطاب، نظرا لمكانته في سلم المعراج الصوفي المنتهي بحصول الكرامة وبلوغ الفناء" (ص255). ومما يؤكد متانة الروابط بين الماء والتصوف أن بعض الطوائف الصوفية في الأندلس شددت على أهمية الجوع والعطش في صناعة أقطابها (ص 250 ). وقد خصص المؤلف صفحات مطولة للحديث عن "الأحوال والمقامات المائية"، وعن "رمزية الماء والإنسان في الكشف الصوفي"، و"دلالة الماء في العرفان الصوفي"، وكلها مواضيع لا ترتبط بالأندلس ومتصوفتها، وإنما بالتصوف الإسلامي عموما، ليخلص إلى أن الماء يكتسي في الخطاب الصوفي صورا دلالية مفعمة بمعاني الحياة والأخلاق والوجود وعلامة على الخلود والطهارة والسكون.

لا يتضمن الكتاب لائحة المصادر والمراجع المعتمدة، واقتصر المؤلف -أو الناشر- على إثبات قائمة بالمصادر المخطوطة، وعدد منها قد طُبع ( مثل مختصر الطب لابن حبيب، وجنة الرضى لابن عاصم، وذكر بلاد الأندلس لمؤلف مجهول). وإن كنا قد نوّهنا باطلاع المؤلف وحسن توظيفه للمصادر العربية في هذه الدراسة، فإنه - على ما يبدو- لم يستغل بما فيه الكفاية نتائج الحفريات والدراسات الأجنبية، وخاصة الإسبانية منها، وكثير منها تتناول الفترة الإسلامية بالذات.

هذه باختصار مجمل القضايا التي يتناولها سعيد بنحمادة في هذا الكتاب الممتعة قراءته، العميقة أفكاره، الجريئة أطروحاته. إنها دراسة جادّة تقدم للقارئ العربي إحدى المفاتيح لفهم جانب من الحضارة الأندلسية.

الهوامش:

1- انظر دراسته "التكنولوجيا الهيدرولية في الأندلس" ضمن كتاب: الحضارة العربية الإسلامية في الأندلس، ج 2، بيروت، منشورات مركز دراسات الوحدة العربية، ط 2، 1999، ص 1351-1357.

2- توجد مثل هذه الرسوم في عدد من المراجع، نذكر منها مقال لروبير أمبروجي Robert Ambroggi - لم يعتمده صاحب الكتاب- صدر ضمن كتاب: التراث الحضاري المشترك بين إسبانيا والمغرب (منشورات أكاديمية المملكة المغربية)، 1993، بعنوان : L’apport hispano -mauresque à la civilisation de l’eau, pp. 39-89، والصور والرسومات توجد في ص48، 50، 68، 69،71